News

لماذا يجدر بالمستثمرين التفكير في تمويل الشركات الناشئة التونسية؟ – مقابلة

By September 28, 2017 No Comments

بدأت انطلاق ، حاضنة الأعمال التونسية، أعمالها رسمياً في العام 2014، من خلال شراكة بين “مايكروسوفت” و”أوريدو” وغيرهما من الشركاء المموِّلين. وبعد بضع سنوات، نجحت “انطلاق” في تحقيق مكانة رائدة كمستثمر بارز في الشركات الناشئة التونسية، حيث بلغت استثماراتها حوالي 12 مليون دينار تونسي (ما يعادل 5 ملايين دولار أميركي) في 26 شركة ناشئة تعمل في قطاعات متنوّعة مثل التعليم والصحّة والزراعة والتجارة الإلكترونية.

تولّى بسام بوقرّة – الموظّف السابق في “ياهو” Yahoo ورائد الأعمال التونسي – إدارة مكتب “انطلاق” في تونس في نيسان/أبريل 2017. وفي حوارٍ مع “ومضة”، تحدّث بوقرّة عن تأثير الاستثمارات التي قدّمتها “انطلاق”، وشاركنا آرءه وأفكاره عن البيئة الحاضنة لريادة الأعمال في تونس.

“ومضة”: ما هي المراحل التي وصلت إليها الشركات الناشئة التي استثمرتم فيها؟

بسام بوقرّة: لا يزال 18% من الشركات الناشئة التي موّلناها في مرحلة تطوير المنتَجات، في حين أصبح 35% منها جاهزاً لدخول السوق وهي تبحث عن عملاء في الوقت الحالي. يمرّ 25% من هذه الشركات بمرحلة جذب العملاء، فيما دخل 21% منها في مرحلة النموّ وتحقيق إيرادات متكرّرة تزيد على 100 ألف دولار كما تسعى إلى توسيع نطاق عملها والوصول إلى العالمية. لنأخذ على سبيل المثال شركة“روم سمارت”، وهي إحدى الشركات الناشئة التي احتضنَّاها وتشارف إيراداتها المتكرّرة على بلوغ مليون دولار، كما تتمتع بقاعدة عملاء في 37 بلداً حول العالم. وثمّة مثال آخر هو“بولي سمارت”، وهي شركة ألعاب ناشئة مستقلّة قمنا بتمويلها، واليوم تستحوذ على اهتمام كبار ناشري الألعاب بفضل لعبتها“فيترانز أونلاين”.

“ومضة”: هل تعتقد أنّه من الضروري زيادة التمويل الذي تحصل عليه الشركات الناشئة في مرحلتها التأسيسية؟

بوقرّة: نعم، وبخاصةٍ في تونس! يتفاوت التمويل التأسيسيّ في تونس ما بين 4 آلاف و20 ألف دولار، وهي مبالغ ضئيلة؛ الأمر الذي يضطرّ الشركة الناشئة لطلب جولة تمويل أخرى بعد فترة وجيزة. وهي إذا لم تتمكّن من الحصول على جولة تمويل أخرى، لن تكون قادرة على الاستمرار وينتهي بها الأمر بالفشل. ثمّة مشكلة أخرى نواجهها في تونس تكمن في  أنّ شبكات التمويل لا تملك معلومات وافية عن جميع الشركات الناشئة خلال مراحلها الأولى في البلاد، ولذلك يتعذّر عليها منح تلك الشركات التمويل والدعم الذي تحتاج إليهما.

“ومضة”: ما الدور الذي يضطلع به المستثمرون الأفراد؟

بسام بوقرّة.

بوقرّة: على عكس الولايات المتحدة الأميركية، فإنّ عدد المستثمرين الأفراد قليل نسبياً في تونس. لا يمكننا تحميل المسؤولية للأشخاص الذين يملكون المال ولا يستثمرون في الشركات الناشئة، وذلك لسببين اثنين: الأول، أنّهم لم يروا الكثير من قصص نجاحٍ لمَن استثمروا في شركة تونسية عاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات وحققت أرباحاً ملحوظة [باعتبار أن هذا القطاع يشهد نمواً ملحوظاً في تونس]. بل يرون أنّ هذا النوع من الاستثمار في الشركات الناشئة يفتقر للأمان، ولذلك يفضّلون الاستثمار في مجال العقارات أو الإنشاءات باعتبارهما أكثر ربحية. وأما السبب الثاني فهو التشريعات والقوانين؛ حيث تتّسم عملية تمويل الشركات الناشئة بالتعقيد الشديد، لا سيما وأنّ هذا النوع من الشركات لا يملك أيّ نوع من أنواع التغطية التأمينية. لا يمكننا لوم المستثمرين الملائكة على عدم الاستثمار لأنّ المنظومة نفسها لا تشجّعهم على فعل ذلك.

“ومضة”: ما هي المشاكل الرئيسية التي تحول دون نجاح الشركات الناشئة في تطوير نفسها؟

بوقرّة: أرى أن المشكلة الأساسية تكمن في التشريعات؛ فالقوانين التونسية تعاقب الأشخاص الذين يدخلون عالم ريادة الأعمال ويفشلون. إذا فشلتَ كمؤسّسٍ لشركةٍ ناشئةٍ ستواجه الكثير من التداعيات السلبية: ستُمنَع من الحصول على أيّ قرضٍ مصرفيّ، ولن تتمكّن من إنشاء شركةٍ أخرى لفترةٍ زمنيةٍ معينة … ولذلك يكون للفشل عواقب وخيمة للغاية. والمشكلة الثانية ترتبط بالأسهم التفضيلية غير المتوفرة في تونس. ففي كلّ مرّة نستثمر فيها، تضطرّ الشركات الناشئة إلى المرور بدورةٍ إداريةٍ طويلةٍ كي تتمكّن من الاستفادة من التمويل المقدّم لها. ومن شأن هذه العملية المطوّلة أن تخيف المستثمرين وخاصّة المستثمرين الأفراد. وحتّى عندما تحصل الشركة الناشئة على الموافقة على التمويل، فقد تنتظر لحوالي أربعة أشهر قبل تحويل المبلغ فعلياً إلى حسابها المصرفي نتيجةً للإجراءات الرسمية المطوّلة، وهي فترة طويلة بالنسبة للشركة الناشئة.

“ومضة”: لماذا تفتقر بعض الشركات الناشئة للانتشار والتواجد على الساحة في تونس رغم نجاحها؟

بوقرّة: المشكلة أنكِ قد تتعرّفين على خمس أو عشر شركات ناشئة، ولكن تظلّ باقي الشركات غير معروفة حتى وإن كانت شركاتٍ تحقق نموّاً. لا يختلف حال الشركات الناشئة في تونس عمّا نراه في أجزاء أخرى من العالم، فالناس يتعرّفون على الشركات الناشئة التي يقوم مموّلوها بإحداث ضجّةٍ كبيرةٍ في وسائل الإعلام؛ بينما تبقى الشركات التي لا تستثمر في حملاتها التسويقية مجهولةً رغم أنّها تطرح منتَجاتٍ جيّدة. وبالتالي، تتمثّل مهمّتنا في إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة لأنّها تجسّد عبئاً ثقيلاً يحول دون نموّ الشركات الناشئة.

“ومضة”: لماذا برأيك لا توجد قصة نجاح تونسية حتى الآن؟

بوقرّة: أعتقد أنّها مسألة وقتٍ لا أكثر. ستواجه أعدادٌ كبيرة من الشركات الناشئة الفشل قبل أن نحظى بنموذج ناجحٍ عن شركةٍ تصل قيمتها إلى مليار دولار (يونيكورن)، وهذا جزءٌ من العملية. الأمر الأهم اليومّ يظهر في اهتمام المزيد من الأشخاص بالاستثمار في الشركات الناشئة، وعلينا نحن التركيز على هذا الأمر.

“ومضة”: كيف ترى تطوّر البيئة التونسية الحاضنة لريادة الأعمال؟

بوقرّة: أعتقد أنّه من المعروف أنّ البيئة الحاضنة التونسية غير قادرةٍ على منافسة دول أخرى، كالهند أو الصين، كونها تتمتّع بوفرةٍ في القوى العاملة الأقلّ كلفة. كما أنّ السياحة والزراعة – ركيزتا الاقتصاد التونسي – تمرّان بأزمة. أعتقد أنّ القطاع الوحيد الذي يمكنه إنقاذ البيئة الحاضنة في تونس ومنحها فرصة للازدهار، هو تكنولوجيا المعلومات لأنّه لا يتطلّب وجود بنيةٍ تحتيةٍ ضخمة. فكلّ ما يحتاج إليه الأمر هو بعض المستثمرين وغرس ثقافة ريادة الأعمال وقدراً من الدعم الحكومي. يشمل ذلك تهيئة ظروف عملٍ أكثر ملاءمة لرواد الأعمال وتخفيف الإجراءات وإلغاء الأعداد الكبيرة من التصاريح المطلوبة. علاوةً على ذلك، من الصعب على الشركات التونسية أن تقوم بتحويل العملة المحلية إلى العملات الأجنبية لأغراض استخدام الخدمات الإلكترونية مثل “أمازون” و”جوجل”. وهذا يضع الشركات الناشئة التونسية في موقفٍ لا تُحسَد عليه مقارنةً بغيرها من الشركات في أجزاء أخرى من العالم، كما أنّه يزيد من صعوبة الانتشار العالمي للشركات التونسية. لذا، ينبغي على البنك المركزي أن يتصرّف بسرعة ويزيل كلّ هذه العقبات.

“ومضة”: لماذا تعتقد أن قطاع تكنولوجيا المعلومات سينقذ البيئة الحاضنة التونسية؟

بوقرّة: أولاً، لدينا أعدادٌ كبيرة من مهندسي الاتصالات والبرمجيات والإلكترونيات. وثانياً، من السهل اختبار المنتَجات الجديدة لأنّ تونس سوق صغيرة. كما يساعدنا قُربنا من أوروبا في دخول السوق الأوروبية بسهولة، علماً بأننا نتكبّد مصاريف عمالة وتشغيلٍ أقلّ من الشركات الناشئة الأوروبية. الاستثمار في مجال التكنولوجيا مجزٍ للغاية، وقد شهدنا ذلك في دولٍ مثل كوريا الجنوبية وإستونيا. أعتقد أنّ تونس ستستفيد كثيراً إذا ما ركّزنا على سوقٍ محدّدة مثل إنترنت الأشياء IoT أو الذكاء الاصطناعي AI، وعزّزنا خبراتنا ومنتجاتنا المحلية في هذه المجالات. ونحن في “انطلاق” نشجّع رواد الأعمال على إضافة قيمة عالية لشركاتهم الناشئة، وتضمين مكونات ثورية ومبتكرة لأنّ هذا هو السبيل الوحيد للمنافسة على الصعيد العالمي.

“ومضة”: هل تعاني البلاد من هجرة الكفاءات؟

بوقرّة: نعم! وهذه مشكلة أخرى. علينا محاولة الاحتفاظ بأعلى نسبة من المواهب والكفاءات، ولكن لا يمكننا الحؤول دون سفرهم إلى فرنسا أو ألمانيا. مع ذلك، إذا نظرنا إلى الأمر من منظورٍ أكثر شمولية، سنجد أنّه لا يقتصر على مسألة هجرة الكفاءات وحسب، وإنّما يشتمل أيضاً على عدم التوافق بين العرض واحتياجات القطاع. تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا ووادي السيلكون يفتقران أيضاً إلى المهندسين الأكفّاء، فخلال السنوات الخمسة الماضية شهدت التكنولوجيا الكثير من التغييرات ممّا خلق فجوة صغيرة بين احتياجات القطاع وأساليب تدريب الأشخاص.

 

  مصدر المقال : www.wamda.com